!!! وينن

 
ما فعل التجار بالهيكل
 
اعتادت بيروت، وعُوِّدت، أن تموت من أجل الجميع. وعوّدت ألا يفوت أحد حضور جنازتها. مهما تكررت. وعلى كثرة الجنازات شعر
الحضور بالسأم وخفضوا رتبة المعزّين. وهكذا بعد شهر من العدوان، وفد السادة الوزراء الى بيروت، حاملين كل النيات الحسنة، شاهرين أسلحة التضامن، حامدين لأن ما وقع ليس هو الأسوأ، بعد.
هناك نوعان من الأنقاض أو الأطلال- وقف عليهما الضيوف العرب: أنقاض الارض المحروقة، التي هي عادة تعبير البائس عن يأسه، وأنقاض الدولة التي ولدت في التخلي وقضت في الخواء. دولة يتركها الناس، على ظهور البواخر وظهور الباصات وظهور البغال. لا طفل يثق بحمايتها ولا أم. والذين يودعون المسافرين على بواخر الاحسان الطارىء، قالوا للمغادرين بلا حقائب: إياكم ان تفكروا في العودة. لا تجارب ولا ترحيل ولا ذل بعد الآن، فلتكن هذه رحلتكم الاخيرة. هكذا قالت الأمهات.
نحو مليون انسان، على الاقل، تركوا منازلهم في أقل من اسبوعين. اقتضى رحيل هذا العدد في حرب 1975 أكثر من عشر سنين. فيومها كان لا يزال هناك اقتناع لدى الأهالي، بأن القيمين على الدولة من أهل الامانات، والقيمين على المعارضة من أهل الثقة. أما الآن، فعندما حل العدوان الاسرائيلي أدرك الجميع، كما أدرك الدكتور "ريو" في رواية البر كامو، ان هذا هو "الطاعون".
كانت دولة سائبة أكثر منها في أي تجربة سابقة من محن البقاء. دولة "متناقرين" يتقدمهم، وفقا للبروتوكول الجمهوري، رئيس الجمهورية، معددا كل يوم، في بيانات رسمية لا نهاية لها، مساوىء شركائه في الحكم وارتكاباتهم وكيف كانوا مرتهنين قبل سواهم. ولا فضل لسياسي على آخر. فلا تقوى ولا من يتقون ولا من يخافون الله. الخوف الوحيد هو الخوف من الآمر. فهو لا يناقَش ولا يستسيغ كثيرا اضاعة الوقت أيا كان.
أفاق الناس (الشعب، اذا طاب لك) ليروا الدولة قد تركت كل شيء وفتحت محل رتق وكوي. كوي لضرورات الظهور الخلاب، ورتق لكل شيء آخر: منعت "المعارضة" حكومة الصابر السنيورة من تعيين وزير داخلية بالقوة، فجعل للحقيبة الاولى في بلد عطوب وزيرين: واحدا مستقيلا ولا يداوم، وواحدا بالوكالة في دور الاصيل. ولم تكن هذه سابقة في أي حال. ولذلك حلّت السابقة عندما اضطر الصابر السنيورة الى تعيين وزير خارجية بالوكالة لايفاده الى الامم المتحدة، مع أن وزير الخارجية الاصيل موجود في قصر بسترس ويستضيف الوزراء العرب. ومع ان وزير الثقافة كان في امكانه، بهذه الصفة، ان يرأس الوفد لدى الامم المتحدة. ولكنها دواعي الخوف على البلد من الانقسام. العهد كان في الماضي اكثر شجاعة لانه لا يمثل "أكثرية وهمية"، ولذلك تألف الوفد الرسمي الى الفاتيكان من اثنين توفيرا للنفقات كما هو معروف : رئيس الجمهورية واللواء جميل السيد.
عندما يفيق المرء في لبنان على تصريحات السياسيين وأخبارهم، وينام على تصريحاتهم وأخبارهم، ماذا سيفعل؟ اذا كان هذا رأي الحكومة في رئيس الجمهورية، وهذا رأي رئيس الجمهورية في الحكومة، فماذا سيفعل الناس؟ وفي أي بلد يبقون؟ وعلى أي دولة يبكون؟ القيادة الامنية، برمتها، في السجن بتهمة "الجريمة الارهابية". والمجالس القضائية معلقة مثل مشانق 1915. والمعارضة تقسم البرلمان قسمين لا ثالث لهما: الاول شرعي تمثيلي ناصع، والثاني وهمي عابر وموقت ويمثل رموز الفساد في دولة بهية ناصعة نظيفة طاهرة نقية لا يلوث سمعتها سوى فض البكارة الاولى.
الى أين يتطلع المواطن البائس في هذه الحال؟ الى أول باخرة فرنسية او كندية او سري لانكية. نحن البلد الذي أرسلت دولة الفيليبين سفنا ترحّل مواطنيها عنه. نحن البلد الذي هاجر أهله في قوافل، ليس من المناطق المنكوبة والمقاتلة والمستهدفة، ولكن من المناطق التي لم تر من الدولة والمعارضة في السنوات الاخيرة سوى مجموعة شتامين نمامين وقنابيز أبو عبد البيروتي. كل فارغ حاملا خيزرانة يريد اسقاط الحكومة وتغيير الامم والنزول الى الساحة بقامة مضحكة.
الى أين يذهب الناس في هذه الحال؟ الى أول باخرة مبحرة تحت القصف. فقد انشقت الصورة مرة واحدة نصفين: الاول، حزب يقاوم منفرداً أعتى دول الاعتداء وأكثرها همجية وأعلنها مجازر ومذابح، والثاني مجموعة أوصال مقطعة وأبواق تنتظر ان تعبأ بما يريد أسيادها لها ان تقول.
كان من الصعب ومن المحزن البحث عن رجال دولة في هذا الأتون. فقد بدا الرجال والمؤسسات في جانب واحد، هو جانب "حزب الله"، وبدا الخواء قاحلا ومديدا وعميقا في الجانب الآخر، لولا رجلان: نبيه بري وفؤاد السنيورة. واحد، بكل قوته وما ومن يمثل، يظل يمثل لبنان في نهاية الامر، والثاني بكل ضعفه وحصاره ورغم ما يطلع به الغربان كل يوم، يظل في نهاية المطاف يمثل لبنان هو ايضا.
ففي هذه الحالات القصية من المأساة والكارثة، رجل الدولة هو الرجل الانسان. هو الذي يتطلع في الخراب ويرى خرابا لا كرسيا، ويتطلع في الدمار ويرى وطنا زائلا لا كرسيا، ويتطلع في الموتى من أطفال وعجائز فيرى توابيت تعجز عن الوصول الى مدافنها وحفراتها العاجلة، ولا يرى فقط نفسه وذاته وذواته وذويه.
كان معزيا، في ذروة المحنة وعمق المأساة، أداء رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء وموقفاهما. ففي هذا الامتحان الدموي المصيري كثر الهوام وقلّ الرجال. وبلغ الحزن والغضب بالرجل الهادىء في بكركي ان قال للمرة الاولى من خلف المذبح:
 
 "قبّح الله وجوههم".

لقد أقرفه ما فعل التجار بالهيكل

سمير عطاالله

 

Advertisements
Post a comment or leave a trackback: Trackback URL.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: